العلامة الشيخ عبد الرحمن بن أبات
بسم الله الرحمن الرحيم ..
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول صلى الله عليه وسلم .
وبعد:
هذه نبذة مختصرة من حياة العلامة الجليل الشيخ عبد الرحمن بن أبات رحمه الله تعالى .
' هو العلامة الجليل ، ورجل المهمات الأصيل : الشيخ عبد الرحمن بن العلامة الطالب أبات بن الطالب أحمد جدو النزاري القلقمي .
وأمُّه الكريمة بنت الكرام: خدجة بنت حمّنْ الجكنية .
لم يعرف تاريخ ولادته بالضبط رحمه الله تعالى ، ولكنه ولد تقريبا في نهاية القرن الثاني عشر أو بداية الثالث عشر الهجريين .
وقد نشأ وتربى في بيت علمي عريق ، وارتوى من زلال العلم الصافي الرحيق ، على يدي أبيه العلامة الطالب أبات ، وعمه العلامة الطالب عبد الدائم ، رحم الله الجميع ، فقد أخذ كل علمه عن هذين الطودين العلَمَين العالِميْن ، ولم يبلغنا أنه أخذ عن غيرهما .
كما تربى بتربيتهما ، وأخذ زهدهما ، وورعهما وجدِّيتهما .
فكان عالما ورعا زاهدا عابدا ناسكا.....
وقد كان أبوه العلامة أبات معجبا به ويثني عليه دائما ويعتز ببنوته ... ويخاطبه منشدا :
إذاكان أبناء الرجالِ فظاظة * فأنت الحلالُ الحُلو البارد العذب .
وكان يقول له : " لقد أنعم الله عليك يابنيّ فأخذت العلم وأنت بجنب أمك ، لم تتغرب له ولم تتعب في الأسفار من أجلِه كما حصل لنا "
وقيل أن العلامة أبات سألهُ العلامة عبد الله بن سيد محمود ، ماذا تركت لأبنائك من بعدك فقال : " تركت لهم الشيخ عبد الرحمن " ولا يخفى ما في هذه الجملة من الثناء العظيم ولا سيما من عالم مثل العلامة الطالب أبات .
ولما نهل العلامة الشيخ عبد الرحمن رحمه الله من معين علم أبيه وعمِّه ، وأخذ عنهما كل العلوم التي تدرس في المحاظر وأتقنها ، اشتغل بالتدريس فترة من الزمن في محظرة أهل ابات -محظرة أبيه - ووالدُه لا يزال حيّاً .
ثم بعد وفاة والده تولى التدريس في المحظرة بشكل دائم ، واشتهر في محيطه وذاع صيته هناك . وازدحم عليه الطلاب وتكاثروا حتى قيل إن أخاه العلامة أحمد بن أبات رحمه الله درس عليه كثيرا من " مختصر خليل " في العطلِ الأسبوعية ( الأربعاء والخميس ) بسبب كثرة ازدحام الطلاب عليه في أيام التدريس المعهودة .
ولا غرو إذا وصفه تلميذه العلامة الشاعر محمد أحمد بن الطلبة الأباتي بقوله :
يا شيخ يابحر يا مُرويّ من زاره * من بحر علمٍ رمى بالجو تيارهْ .
لله كم قد هُدي للنهج زائركم * وحطَّ ذو الوزرِ إمَّا زارَ أوزارَهْ .
وقد اتخذ الشيخ عبد الرحمن رحمه الله منهجية في التعليم جامعة ومفيدة : فكان يدرس طلابه العلمَ تدريسا متقنا ، ويربيهم على العمل به ، ويكوِّنهم أيضا على ممارسة المهام والأعمال ، حتى إذا تخرج الطالب من محظرته يتخرج عالما جامعا بين الدين والدنيا ، صالحا في المجالات كلها .
وكانت محظرته تتمركز في شمال تكانت في الأماكن التي كان والده العلامة الجليل أبات يوصي أبناءه بتوطُّنها .
وقد ذاع صيتها هناك في أيام تدريسه لها وأقبل إليها الطلاب من كل القبائل ، وكان رحمه الله يتكلف بنفقتهم وكسوتهم ، وخصوصا الغرباء منهم .
حتى قال محمد احمد بن الطلبة مثنيا عليه على إحسانه إليه وإلى الطلبة عموما :
جزى الرحمن شيخِيَ عبدَهُ * بخير جزىً ما لاح ويك هلال .
على بذل يمناه وخط بنانه * إذا ما عرى للسائلين سؤال .
وكان مع انشغاله بالتدريس ، منشغلا أيضا بأوضاع مجتمعه فكان يدبّر أمرهم ويصلح بينهم ، ويرحل بهم إلى أماكن الرعي وجودةِ المناخ ، وكان إذا عنَّت الشهباء وأجدبت الأرض ، توجَّه إلى الله وأنشد قائلا :
إلهي اسقنا غيثا هنيئا مباركا * مُرِبّاً به تحيِي بلاد من أسلما .
فتصبحَ أرضُ الله غِبَّ هدُوِّهِ * رياضا تسرُّ الناظرين تكرما .
بحق الهدى والمهتدين بهديه * عليهِ صلاة الله ما دام مكرَّما .
وكان رحمه الله لا يترك شِركة بين اثنين مخافة الشحناء في المستقبل ، وكان يقسم تركة الميت يوم وفاته ، مخافة ضياع بعض الحقوق للأحياء أو الأموات .
فكان بحق رجلا جامعا بين إصلاح ورعاية مجتمعه ، وبين تدريس وتربية طلابه وتلامذته .
وكان رحمه الله محبا لطلابه ويثني عليهم ، فيُحكى أنه في فترة من الفترات وفي خضم الحروب التي كانت مشتعلة آنذاك بين بعض القبائل ، وقعت حرب بين قبيلتين كبيرتين معروفتين ، وقتل فيها عدد كبير من طلابه من القبيلتين .
فحضر العلامة الشيخ عبد الرحمن إلى المكان فلما تعرف على طلابه وهم صرعى استرجع وقال : " ذهبوا بهم والله إلى غيرِ مجالهم ، ولو ذهبوا بهم إلى " وَرَدَّ كُلَّ صِنفٍ.. " - وهو قفٌّ من مختصر خليل في قسمة الترائك معروف عند الطلاب بتعقُّد مسائله وصعوبتها - لما سقطوا ولكن الله غالب على أمره . "
ثم لما أراد دفنهم قال لطلابه " لا تقدموا في القبور ولا في القِبلة بعضهم على بعض قإنَّا لا نعرف الظالم منهم من المظلوم "
وهذه الحكاية تدل على هدوء الرجل وإنصافه وسعة صدره ، ومايكنه لطلابه من الوُد والتقدير ، وإظهار التأسف العميق على مصرعهم .
وحق له أن يتأسف على ذالك لأن هؤلاء جيل من العلماء والفضلاء قد بذل في إعدادهم جهودا مضنية ، وإذا بهم يحصدون في أوج شبابهم ، وفي فترة عطائهم ، بأيادي فتنة لا يُدرى فيها الحق من الباطل .
فعفى الله عمن سعى في إشعال تلك الحروب ، وتغمد برحماته من حصدتهم من الأرواح .
وقد ظل رحمه الله يدرس في محظرته العريقة زمنا طويلا وتخرج على يديه جمع غفير من العلماء والصلحاء والأولياء وتفرقوا في البلاد ، عرف بعضهم وكثير لم يعرف .
وإليك نماذج من المعروفين منهم :
١- أخوه العلامة الجليل : عبد القادر ( الداد ) بن الطالب أبات .
٢- أخوه العلامة الكبير : أحمد بن الطالب أبات .
٣- ابنه العلامة الأديب : محمد الحسن بن الشيخ عبد الرحمن .
٤- ابن عمه العلامة الشاعر الكبير : محمد أحمد بن الطلبه .
٥- الشيخ محمدو الملقب " بادَّيَّ " بن الشيخ امني .
٦- الرجل الصالح : عبد الدائم بن محمد خين .
٧- أحمد بن محمد آب الكنتي .
٨- الطالب أحمد بن الوداني .
....
وغير هؤلاء كثير ....
ولما أُخِذت عنه - رحمه الله - العلوم ، وقام إخوته وأبناؤه وأبناء عمه بمهمة التدريس والإفتاء وشؤون الحياة كلها .
انقطع هو للعبادة وكان لا يتكلم في أي شيء إلا في حالات نادرة .
فكان زاهدا في الدنيا مقبلا على الله معرضا عمّا سواه ...
وينشِد متدبّرا متعِظاً... قوله :
" إن داراً عرفتها بانكديِّ * وطلولاً عهدتُّها بالنديِّ .
أنبأتنِي وهي غير كذوبٍ * أن غير الإلهِ ليس بشيِّ ."
ولا يخفي مايتضمنه هذان البيتان من رسوخ في الإيمان ، وتعلق بالله عز وجل ، وعدم اغترار بالدنيا ومتاعها الخداع .
واستمر رحمه الله تعالى على تلك الحال منقطعا للعبادة ، زاهدا في الدنيا معرضاً عنها ، إلى أن توفي رحمه الله في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر الهجري ، ودفن بموضع يسمى " دِكِّلْ " شمال مدينة المجرية وقبره هناك معروف .
عليه شآبيب رحمات الله تترا ، صباحا ورواحا وفي المسرى .
_________
نقله: محمد محمود بن محمدُّو الأباتي ، بالحرف وأحيانا بالمعنى من كتاب :
" البدور النيرات في تراجم علماء أهل ابات "
للعلامة الشيخ محمد عبد الله بن أحمد بن أبات حفظه الله تعالى .
..
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

تعليقات
إرسال تعليق