عبد الرحمن بن سيدي بن عبد الدائم بن محمد خينه

إنا لله وإنا إليه راجعون! توفي ظهر يوم الاثنين 2 صفر 1444 الموافق 29 أغشت 2022 بقرية القيروان في ولاية تگانت: رجلُ القرآن، العابدُ الزاهدُ الورعُ التقيُّ النقيُّ ذو الخلال المحمودة والكرامات المشهودة...: عبد الرحمن ولد عبد الدائم ولد محمد خينه، ألبسه الله سابغ غفرانه، وأحلَّ عليه كبير رضوانه، وأسكنه أعاليَ جنانه. عبد الرحمن رجلُُ عمّره الله عز وجل عمرا مديدا مباركاً فوالله ما شغل عمره منذ بلغ الحلم إلا في طاعة الله وتلاوة كتابه عز وجل آناء الليل وأطراف النهار..يشهد بذلك القاصي قبل الداني، يظل في هواجر الحر صائما ويبيت في ليال القرِّ قائما لله تعالى. يتعفف عن الدنيا رغم إقبالها عليها مرات وكرات، ويلبس نفسه رداء التواضع خشية وخضوعا رغم ما أحاطه به الناس من الإكبار والتقدير، وما أعطاه الله من الفضل والكرامات. لا يكاد يجد نفسه محتاجا إلى الناس، وإن كان ولا بد فعلى تقلل واستحياء وأنفة.. مع أن الناس يتسابقون إلى حاجاته حبا له وتقديرا لفضله وقناعته وورعه وتقواه. اشتهر رحمه الله بدوام تلاوة كتاب الله بصوت عال كل ليلة في الصلاة وخارجها.. حتى اعتاد جيرانه- بل وغيرهم من أهل الحي- على صوته، فلا تسأل أحدا منهم مهما بعُد منزله عن صوته حين يسمعه إلا قال هذا صوت عبد الرحمن يتلوا القرآن.. زرته رحمه الله مرات عديدة وجالسته. ولا أذكر أني جئته مرة إلا ووجدته موعوكا بالحمى رغم ضعفه ومع ذلك يهش في وجهي ويبش ويرحب بي ويحدثني بكل ما حسن وأفاد من الحديث ومن العجيب- وليس عجيبا في حقه- أنه لا يطرب ولا يستتب له الحديث إلا إذا كان حول القرآن وفي مجال القرآن... واظب رحمه الله على الصيام حتى رمضان الماضي وذلك من فضل الله عليه ولطفه به، وأما قيام رمضان فقد قال لي ذات ليلة رمضانية مقمرة في القيروان وقد هممت بتوديعه ذاهبا إلى صلاة العشاء،وقلت له إني سأصلي التراويح بالجماعة فتحركت أشواقه لقيام رمضان ومناجاة الملك الديان وقد خبر لذة تلك المناجاة وعايشها زمنا طويلا بدون كلل ولا ملل، وقالي لقد كنت أقوم رمضان كما أقوم غيره ولكني ضعفت عن ذلك فأصبحت أقتصر على قراءة ورد القيام كل ليلة، ألستم الليلة في الحزب الفلاني، قلت: نعم، فابتسم وسرّ وجهه. وأذكر مرة أني جئته في يوم رمضاني صائف شديد الحرّ في القيروان في آخر حياته وقد أنهكه الصوم وأتعبه حتى ضعف صوته وانعدمت حركته، فقلت له عبد الرحمن اشوسيت امع الصوم فقال بصوت ضعيف " لباس الحمد لله " فقلت له آن ظاهر لي اعلنك عت افمرحلت الهرم مندُوبالك الفدية ؤتوف والصوم ساقط عنك ؤشرتلو اعل نص اخليل في المندوبات ".. وفدية لهرم وعطش.." ؤهو رحمه الله اخليل كان عاجبو حت ؤدايرو اعل راصو، فقال لي والإعياء والضعف يكادان يحبسان صوته: ذاك الهرِم، أما أنا فلست هرِما والحمد لله، ولا حجة لي عند الله إن لم أصم...' وفعلاً واصل صومه تحفّه عناية الله ولطفه، فتحسرت على حالي وحال أمثالي من المقصرين- وهم كثر- ممن يحبسنا عن الصوم أبسط عذر، بل وأشد من ذلك حال من يترك ركنَ الصوم بلا عذر بل لمحض جهله وجرأته على تعالى! نسأل الله أن يتوب علينا وأن يعفوَ عنا. ومن عجائب تعففه وقناعته التي كنت حاضرا لها أنه زارته بعثة من الدولة التي تعنى بالضعفاء تريد تسجيله من أجل أن يستفيد من مبلغ مالي مخصص لدعم الفقراء والضعفاء فلما جاءوه قال لهم ماذا تريدون فقصوا عليه خبرهم، فقال: " وصوته يكاد يخفى على سامعه لشدة ضعفه " كثر الله خيركم وجزاكم بالخير، ولكني لست ضعيفا وهذا حق الضعفاء والفقراء فاذهبوا إلى الفقراء والضعفاء وأعطوهم حقهم، فقال له رئيسهم وقد أصر على أن يسجله لتعففه وقناعته، يا والدي هذا ماه مال الدولة هذي الا هدية عاطيينها نحن لك أنت، فرد عليهم بشكل عفوي قاطعا عليهم ذلك الطريق، آن الهدية نگبظها الا من عند محمد الزين ول القاسم!! وأما عن علاقته بالرجل الصالح محمد الزين ولد القاسم فحدث ولا حرج ولا أستطيع لجوانب تلك العلاقة حصرا، ولا لكاملها سردا ولا كتابة... إذ هي كثيرة ومتشعبة، ومليئة بالمواقف النبيلة والمشاهد الجليلة.. وقد كانت تطبعها المحبة والتوادد والتزاور، حتى وإن شط المزار وبعدت الدار. ورغم تداخل وصحبة الفقيد عبد الرحمن رحمات الله عليه مع المنفق محمد الزين إلا أنه كان متعففا ولا يقبل من هدايا محمد الزين الكثيرة إلا ما كان محتاجا إليه مضطرا له. وإن لم تكن عنده حاجة ولا اضطرار فإنه يردها إليه مهما كانت غالية ومهمة عند غيره، ويقول له أنه لا يحتاجها الآن. لأنه رحمه الله كان متقللا من الدنيا نائيا بنفسه عن الإسراف والترف ورغد العيش، اختار في هذه الدار خشونة العيش ومكابدة الصبر بشقيه: - الصبر على طاعة الله. - والصبر عن معصية الله. وكذلك كان أسلافه أهل العلم والكرامات، رحمهم الله ورضي عنهم. وهذا غيض من فيض جال بخاطري حين نعي إلي الفقيد بالأمس... وأبت أناملي الحزينةُ كحزني أن تطاوعني على كتابته إلا بعد لأي وكثير تصبُّر! فاللهم ارحم عبدك الوليَّ الصالح العابد الكريم عبد الرحمن بن عبد الدائم واغفر له وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. اللهم أبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله، اللهم وسع له في قبره واملأه عليه نورا واجعله له روضة من رياض الجنة. اللهم نقه من الخطايا والزلات كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، اللهم باعد بينه وبين خطاياه كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم أعذب من فتنة القبر ومن عذاب النار. اللهم لقّه الروْحَ والريحانَ وجنةَ النعيم، اللهم بشره بغفرانك، وأحل عليه رضوانك، واجعله في جوارك وأمانك يارب العالمين. اللهم ألهمنا وأهله ومحبيه الصبر والسلوان. عزاؤنا لأنفسنا ولأهلنا أسرتي الفضل والكرم أهل عبد الدائم، وأهل حرمَه، وللمجتمع عموما . والله إن العين لتدمع وإن القلب ليخزن، وإنا على فراقك يا عبد الرحمن لمحزونون.. ولا نقول إلا ما يرضي الله عز وجل: *إنا لله وإنا إليه راجعون*.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المريفق (تكانت موريتانيا )

العلامة الشيخ عبد الرحمن بن أبات